ابو القاسم عبد الكريم القشيري
92
لطائف الإشارات
وبيّن أنهم في هذا لم يكونوا خالين عن ملاحظة الحظوظ وطلب الأرزاق « 1 » فقال : « فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ » لتصلوا إلى خير الدارين . وابتغاء الرزق من اللّه إدامة الصلاة ؛ فإن الصلاة استفتاح باب الرزق ، قال تعالى : « وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً » « 2 » ويقال ابتغاء الرزق بشهود موضع الفاقة فعند ذلك تتوجه الرغبة إلى اللّه تعالى في استجلاب الرزق . وفي الآية تقديم لابتغاء الرزق على الأمر بالعبادة ؛ لأنه لا يمكنه القيام بالعبادة إلا بعد كفاية الأمر ؛ فبالقوة يمكنه أداء العبادة ، وبالرزق يجد القوة ، قالوا : إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه * فمكروه ما يلقى يكون جزاؤه « وَاشْكُرُوا لَهُ » : حيث كفاكم أمر الرزق حتى تفرغتم لعبادته « 3 » . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 18 ] وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 18 ) وبال التكذيب عائد على المكذّب ، وليس على الرسول - بعد تبليغه الرسالة بحيث لا يكون فيه تقصير كي يكون مبيّنا - شئ آخر . وإلا يكون قد خرج عن عهدة الإلزام . وفيما حلّ بالمكذّبين من العقوبة ما ينبغي أن يكون عبرة لمن بعدهم . قوله جل ذكره : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 19 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 19 )
--> ( 1 ) فالعبادة الخالصة علامتها أن تكون خالصة للمعبود بلا تطلع لعوض أو غرض ؛ والغيبة عن أي ( وارد من تذكر ثواب أو تفكر عقاب ) الرسالة ص 40 . ( 2 ) آية 132 سورة طه . ( 3 ) عنى القشيري بتوضيح النسق في الأسلوب القرآني حين ناقش ترتيب الكلام على نحو مقنع أخاذ .